إسماعيل محمد علي يكتب: الجيش يصد هجوما بريا وجويا في النيل الأزرق

تصاعد الوضع العملياتي في جبهات القتال المختلفة في السودان بصورة لافتة، إذ شهد اندلاع مواجهات عنيفة وحالة كرّ وفرّ بين طرفي النزاع، الجيش وقوات “الدعم السريع”، تركزت بشكل أساس في إقليمي النيل الأزرق وكردفان، إلى جانب استمرار التوتر الميداني في دارفور. وبحسب مصادر عسكرية، فإن الجيش وحلفاءه تمكنوا من إحباط هجوم شنته “الدعم السريع” والحركة الشعبية – شمال بقيادة جوزيف توكا على منطقة البركة في محافظة الكرمك بإقليم النيل الأزرق والمتاخمة للحدود مع إثيوبيا. وأشارت المصادر إلى أن القوات المهاجمة منيت بخسائر فادحة في الأرواح والعتاد، إضافة إلى تدمير والاستيلاء على عدد من مركباتها القتالية، بينما فرَّ ما تبقى من قواتها باتجاه الحدود الإثيوبية.

إسماعيل محمد علي يكتب.. اشتعال جبهات حدود السودان الشرقية وانشقاقات متتالية بصفوف “الدعم السريع”

الجيش يحد تحركات “الدعم السريع” بشمال دارفور والنيل الأزرق

الجيش يكثف غاراته بكردفان ويقصف إمدادات “الدعم السريع” على الحدود مع إثيوبيا
من جهته، قال جوويف توكا النائب الأول لرئيس الحركة الشعبية، إن مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق باتت مكشوفة عسكرياً، وعلى مرمى حجر من قوات التحالف القائم بين “الدعم السريع” والحركة الشعبية. ونوه تُوكا في مقابلة نشرها الموقع الإلكتروني الرسمي للحركة الشعبية، بأن التحالف يعمل على توسيع قاعدة السيطرة الميدانية والتمدد العسكري، وبالتالي محاصرة الجيش واستنزافه وشل حركته وتدميره. وبين أن سيطرة قوات التحالف على منطقتي سركم وبكوري الواقعتين في محافظة قيسان جعلت قواتهم قريبة من الدمازين.

ومنذ أيام كثفت “الدعم السريع” والحركة الشعبية – شمال حشودها في محاور الكرمك وقيسان وبكوري، تمهيداً لشن هجمات على مواقع الجيش في الإقليم.

في المقابل أفادت المصادر العسكرية بأن الجيش والقوات المساندة له في حال استعداد كامل للتصدي لأي هجمات محتملة خلال الفترة المقبلة.

إسقاط مسيرات
في الأثناء أعلن الجيش إسقاط مسيرات أطلقتها “الدعم السريع” باتجاه مدينة الدمازين قبل وصولها إلى أهدافها داخل المدينة. وسمع سكان المدينة دوي المضادات الأرضية التابعة للفرقة الرابعة – مشاة وهي تتصدى لمسيرات في سماء عاصمة الإقليم. وتعد هذه المحاولة هي الأحدث ضمن سلسلة هجمات بالمسيرات تشهدها مدن سودانية منذ اندلاع القتال بين الطرفين في أبريل (نيسان) عام 2023. ولجأ طرفا الصراع في السودان بشكل متزايد خلال الأشهر الأخيرة إلى استخدام الطائرات المسيرة في استهداف مقار عسكرية ومدنية.

ويشهد إقليم النيل الأزرق منذ أشهر معارك عنيفة بين الجانبين المتحاربين، حيث يتبادلان السيطرة على مناطق متفرقة داخل الإقليم في ظل كرّ وفرّ عسكري متواصل. ويواصل الطرفان حشد قواتهما وتعزيز مواقعهما في مدن وبلدات الإقليم، وسط توقعات بأن تشهد الأيام القادمة مواجهات محتدمة في المنطقة التي تكتسب أهمية استراتيجية على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان.

ودفعت العمليات العسكرية المتكررة آلاف المدنيين إلى النزوح من القرى والمناطق الريفية باتجاه مدينة الدمازين والمناطق الأكثر أماناً، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية ونقص الخدمات الأساسية.

قصف الدلنج
في سياق متصل تشهد ولايات كردفان الشمالية، والغربية، والجنوبية، مواجهات متواصلة بين القوتين المتحاربتين، في حين تستمر العمليات الميدانية على وتيرة الكرّ والفرّ للسيطرة على الطرق وخطوط الإمداد، وسط مخاوف من امتداد خطوط النار والأحزمة الاستراتيجية الرابطة بين دارفور وكردفان، في وقت يعاني فيه المدنيون في تلك الولايات تفاقم الأزمات الإنسانية وموجات النزوح المستمرة.

ووفقاً لـ”شبكة أطباء السودان”، فإن خمسة أشخاص بينهم طفل لقوا حتفهم، فضلاً عن إصابة آخرين، جراء قصف مدفعي شنته الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو على مدينة الدلنج ثاني أكبر مدن جنوب كردفان، وبحسب مصادر ميدانية، فإنه تم قصف مدينة الدلنج بأكثر من 30 قذيفة، وتركز القصف على أحياء الفراقل والحجيرات غرب المدينة. وأشارت الشبكة في بيان إلى أن القصف أدى إلى ترويع المدنيين وتفاقم الأوضاع الإنسانية المتدهورة في المدينة، معتبرة أن استهداف الأحياء والأعيان المدنية بالأسلحة الثقيلة يمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني والأعراف الدولية. وطالب البيان المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف ما وصفه بالانتهاكات المتكررة، وممارسة ضغوط على قيادة الحركة الشعبية، لوقف استهداف المدنيين والأحياء السكنية، وحمَّل الحركة المسؤولية عن الخسائر في الأرواح وما يترتب عليها من تفاقم معاناة السكان.

قتلى وخرق وقف النار
وأكدت الشبكة مقتل أكثر من 21 شخصاً بينهم نساء وأطفال وإصابة آخرين، في هجوم شنته قوات الحركة الشعبية على مناطق ديبي ولويري الواقعتين في جنوب وغرب كاودا بالولاية نفسها، والتابعتين لقبيلة الأطورو، مما دفع أعداداً كبيرة من المدنيين للنزوح من المنطقة. واعتبرت الشبكة أن هذه الهجمات تمثل خرقاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار وتجديداً للقتال واستهدافاً للمدنيين على أساس عرقي، فضلاً عن أنها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني. وطالبت الشبكة المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية بالضغط على قيادة الحركة الشعبية لوقف الانتهاكات والتزام باتفاق وقف إطلاق النار، لافتة إلى أن تجدد القتال على أساس إثني قد يؤدي إلى موجة نزوح جديدة في مناطق كاودا، ويضاعف معاناة المواطنين في ظل موسم الأمطار، بما قد يتسبب في كارثة إنسانية تستوجب تحركاً عاجلاً.

وشهدت مدينة كاودا في الأيام الماضية اشتباكات مسلحة بين الحركة الشعبية، ومجموعة من قبيلة الأطورو، على أثر تطور خلافات تتعلق بترسيم الحدود بين قبيلتي الشواية والأطورو إلى مواجهات دامية.

وتعد كاودا المركز العسكري والإداري للحركة الشعبية التي تسيطر عليها منذ تمردها على الحكومة السودانية عام 2011.

قيود ومعاناة
في المحور نفسه اتهمت مجموعة “محامو الطوارئ” الحقوقية “الدعم السريع” بإطلاق النار على شاحنة مدنية بولاية شمال كردفان، وإصابة مدنيين اثنين في إطار حظر السلع الذي تفرضه على نقل المنتجات لمناطق سيطرة الجيش. وأوضح بيان صادر عن المجموعة أن وحدة تتبع “الدعم السريع” استهدفت شاحنة محملة بالفول السوداني في منطقة العشير شمال وادي الملك كانت في طريقها إلى الولاية الشمالية، حيث تمت مصادرة الشاحنة، وأعادت سائقها إلى نقطة ارتكاز تابع لها، كما حرمت المصابين من الإسعاف.

وتفرض الجماعة منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024 قيوداً على نقل السلع من مناطق سيطرتها إلى مناطق سيطرة الجيش، مما أدى إلى عزل المنطقة عن طرق التجارة وفرض حصار فعلي يفاقم معاناة السكان ويهدد وصول الغذاء وسبل العيش.

سواتر وخنادق
قي المنحى ذاته استمر التوتر والتحركات العسكرية المتبادلة في بعض أجزاء دارفور بالتوازي مع تعهد قيادة الجيش بمواصلة العمليات العسكرية للتقدم نحو الإقليم وحماية المدنيين. وتتواصل في الوقت نفسه معاناة النازحين والضغوط الإنسانية في ظل اتساع رقعة المواجهات وتأثيرها على حركة الإغاثة. ووفق ناشطين محليين، فإن “الدعم السريع” كثفت من أعمال السواتر الترابية والخنادق حول مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، من الاتجاهات الشمالية والغربية والجنوبية، بالتزامن مع تشديد الحصار على حركة الخارجين منها مقارنة بالأيام السابقة.

وأشار هؤلاء الناشطون إلى أن المدينة شهدت تدفقاً مستمراً لمواطنين من تجمعات النازحين في طويلة والريف الشرقي للمدينة.

وتسيطر الجماعة على مدينة الفاشر، منذ أواخر أكتوبر الماضي عقب استيلائها على آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور.

البرهان في أسمرة
في التحركات أجرى رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان في أسمرة محادثات مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وتعد هذ الزيارة الثانية من نوعها خلال أقل من شهرين. وبحث اللقاء بحسب بيان لمجلس السيادة السوداني، العلاقات الثنائية بين السودان وإريتريا، وسبل تطويرها وتعزيز التعاون والتنسيق المشترك بين البلدين بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين.

وتشهد العلاقات بين السودان وإريتريا، بخاصة بعد الحرب، تقارباً وتنسيقاً سياسياً وأمنياً، إذ أدت الأخيرة دوراً مهماً في الأزمة السودانية بحكم تداخلها الحدودي، في حين تتشارك الدولتان في حدود برية تمتد لأكثر من 600 كيلومتر تفصل بين ولايتي كسلا والبحر الأحمر السودانيتين والمناطق الإريترية.

وتتناول محادثات البرهان وأفورقي عدداً من القضايا الثنائية والإقليمية، إضافة إلى التطورات المرتبطة بالأوضاع في السودان والمنطقة، وذلك في ضوء التطورات السياسية والأمنية المتسارعة.

مطالبة بتمديد حظر الأسلحة
على خط آخر طالب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة السودانية “صمود”، مجلس الأمن الدولي بتمديد حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل مختلف أنحاء البلاد، وفرض عقوبات على الجهات المتورطة في إمداد طرفي النزاع بالسلاح. وأوضح التحالف في بيان أن تقرير بعثة تقصي الحقائق المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان خلص إلى ارتكاب الجيش و”الدعم السريع” انتهاكات جسيمة بحق المدنيين شملت استهداف المستشفيات والمدارس والأسواق ومواقع النزوح بواسطة الطائرات المسيرة. وأشار البيان إلى أن التقرير وثَّق مقتل أكثر من 1000 مدني جراء ضربات المسيرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، مبيناً أن من بين الهجمات مجزرة روضة نبع الحنان ومستشفى “كالوقي” التي أسفرت عن مقتل 114 شخصاً، بينهم نحو 60 طفلاً، إلى جانب الهجوم على مستشفى “الضعين” التعليمي صبيحة عيد الفطر، والذي أودى بحياة 70 شخصاً في الأقل.

وبين البيان أن التقرير وثق كذلك ضربات متكررة استهدفت مدن الأبيض وكادوقلي والدلنج ويابوس وكتم وزالنجي، وما ترتب عليها من تعطل عمل المستشفيات وانقطاع خدمات المياه والكهرباء، مع تحمل النساء والأطفال العبء الأكبر من تلك التداعيات وفقاً للبيان الذي نوه أيضاً بأن التقرير أثبت تلقي طرفي النزاع دعماً خارجياً أسهم في إطالة أمد الحرب وزيادة كلفتها الإنسانية على السودانيين. وطالب البيان الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان إلى تجديد ولاية بعثة تقصي الحقائق وتوفير الموارد اللازمة لها لمواصلة عملها من دون قيد أو شرط، معتبراً أن تحقيق سلام مستدام في السودان يتطلب كشف الحقائق وإنصاف الضحايا وإقرار العدالة.




إسماعيل محمد علي

صحفي سوداني عمل بالعديد من الصحف العربية والخليجية والمحلية لأكثر من 35 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.