تحديات تواجه سير التحويلات والمدخرات في السودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) عام 2023، تغيرت طريقة تعامل السودانيين مع أموالهم، إذ لم تعد المشكلة في وجود المال فقط، بل في مكانه وإمكان الوصول إليه، لكن مع صعوبة الحصول على النقد وتعطل بعض الخدمات المصرفية، برزت المحافظ الإلكترونية والوسطاء كبدائل، إلا أنها حملت بدورها كلفاً وأخطاراً تتعلق بالثقة والأمان. في المقابل، تراجعت قيمة المدخرات في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتغير سعر الصرف، بينما استُنزفت أموال أخرى في تغطية كلف النزوح والغذاء والعلاج والسكن. وهكذا، لم تعد الحرب تختبر قدرة السودانيين على كسب المال فحسب، بل قدرتهم على الوصول إليه والحفاظ على قيمته واستخدامه عند الحاجة.
أكثر من 234 مليون معاملة.. بنك السودان يطور منصة التحويلات المصرفية
قرار جديد من بنك السودان المركزي بشأن التحويلات بين المصارف
أموال عالقة
قبل الحرب، كان الوصول إلى المال يبدو أمراً بديهياً، إذ يتوجه صاحب الحساب إلى المصرف أو جهاز الصراف لسحب ما يحتاج إليه من مال، أو يحول المبلغ إلى شخص آخر، لكن عندما يتوقف الفرع عن العمل أو ينتقل صاحبه إلى منطقة لا توجد فيها فروع المصرف الذي يتعامل معه، تتحول هذه العملية البسيطة إلى مشكلة.
المواطن مصطفى حمد قال “كان لدي مبلغ من المال في حسابي المصرفي، لكن المشكلة لم تكن في وجود المبلغ، وإنما في قدرتي على الوصول إليه، فبعد اندلاع الحرب نزحت إلى منطقة لا يوجد فيها المصرف الذي كنت أتعامل معه كما في السابق، في البداية اعتقدت أن الأمر موقت، لكن مع مرور الوقت أصبحت بحاجة إلى المال لتغطية مصاريف أساسية مثل الإيجار والغذاء والعلاج، مما اضطرني إلى البحث عن طرق أخرى لتوفير المال، على رغم أن مدخراتي كانت موجودة في حسابي وتكفي لتغطية تلك المصاريف”، وتابع حمد “الحرب جعلتني أدرك أن امتلاك المال في الحساب لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامه، فالمهم أن أستطيع الوصول إليه عندما أحتاج إليه”.
وسائل بديلة
من ناحيته، قال الباحث المصرفي محمد بلة “الحرب أثرت في قدرة العملاء على الوصول إلى الخدمات المصرفية بصورة كبيرة، خصوصاً في المناطق التي تعرضت فروع المصارف فيها للتدمير أو توقفت عن العمل بسبب الظروف الأمنية. فالمشكلة بالنسبة إلى العميل لا تعني بالضرورة أن أمواله اختفت، إنما قد يفقد القناة التي تمكنه من الوصول إليها أو استخدامها”، وأضاف بلة “في الحالات التي يتعذر فيها الوصول إلى الفرع، تعتمد الخيارات المتاحة أمام العميل على المصرف والخدمات التي لا تزال تعمل لديه، وقد تشمل هذه الخيارات استخدام فرع آخر، أو الخدمات المصرفية الإلكترونية، أو القنوات الرقمية المتاحة، متى كانت تعمل ويمكن للعميل استخدامها، لكن قدرة العميل على الاستفادة من هذه البدائل تختلف بحسب مكان وجوده والبنية التحتية المتاحة والظروف الأمنية”، وزاد “بالنسبة إلى النازحين، أصبح إمكان الوصول إلى الخدمات المصرفية جزءاً من التحديات التي فرضتها الحرب، فالعميل الذي غادر مدينته قد يجد نفسه بعيداً من الفرع الذي اعتاد التعامل معه، وقد يحتاج إلى وسائل بديلة لإدارة حسابه أو الحصول على أمواله”، وبيّن أن “من المهم التفريق بين وجود الرصيد في الحساب والسيولة المتاحة للعميل، فالمال قد يكون مسجلاً في النظام المصرفي باسم صاحبه، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يستطيع سحبه أو استخدامه فوراً، إذ إن الوصول الفعلي إلى الأموال يعتمد على توفر القنوات المصرفية، والسيولة، وإمكان تنفيذ عمليات السحب والتحويل”، ورأى الباحث المصرفي أن “أحد أبرز آثار الحرب في العلاقة بين المواطن والمصرف هو أن العميل أصبح لا يسأل فقط عن قيمة رصيده، وإنما عن قدرته على الوصول إليه واستخدامه في المكان والوقت الذي يحتاج إليه”.
تحويلات متعثرة
بالنسبة إلى أسر سودانية كثيرة، المال الذي يأتي لها من الخارج ليس مدخرات إضافية، بل مصدر دخل أساس لتغطية المصاريف الشهرية، فقبل الحرب، كان الطريق معروفاً بالنسبة إلى الطرفين، فيما بعد الحرب، أصبح اختيار قناة التحويل جزءاً من المشكلة نفسها.
أشرف الوسيلة مواطن سوداني قال “أرسل لأهلي في السودان مبلغاً كل شهر، لكن بعد الحرب لم تعد عملية التحويل كما كانت من قبل، فأحياناً أرسل المبلغ في موعده، لكن لا أعرف بالضبط متى سيتمكنون من تسلمه، وأحياناً أحتاج إلى التواصل مع أكثر من شخص حتى أتأكد من وصول المال إليهم”، مضيفاً “المشكلة تكون أكبر عندما يكون المبلغ مخصصاً لأمر ضروري، مثل العلاج أو الإيجار أو مصاريف البيت. بالنسبة إليّ قد يكون المال قد خرج من حسابي ووصل إلى السودان، لكن بالنسبة إلى أسرتي لا يكون قد وصل فعلياً إلا عندما يصبح في أيديهم ويمكنهم استخدامه”، وتابع الوسيلة “لهذا أصبحت أبحث عن الطريقة التي أضمن من خلالها أن يصل المال بسرعة وأمان، حتى لو كانت الرسوم أعلى، إذ لم يعد المهم بالنسبة إليّ فقط أن أرسل المال، وإنما أن أعرف أنه سيصل إلى أهلي ويصبح متاحاً لهم فعلاً”.
عامل الثقة
بدوره، أوضح المختص في التحويلات والقطاع المالي طه أحمد أن “الحرب أثرت في مسار التحويلات المالية إلى السودان على أكثر من مستوى، فعملية التحويل لا تنتهي بمجرد إرسال المبلغ من الخارج، وإنما تمر بمراحل عدة قبل أن يصبح المال متاحاً للمستفيد داخل السودان”، وتابع “في الظروف الطبيعية، يعتمد وصول الحوالة على وجود قنوات مصرفية أو مالية تعمل بصورة منتظمة، لكن تعطل بعض هذه القنوات وتغير طبيعة التعاملات خلال الحرب دفع الناس إلى البحث عن وسائل بديلة، بينها الوسطاء وشبكات التحويل غير المصرفية وبعض الخدمات الرقمية، وهنا تظهر مشكلة أساسية، وهي أن المرسل قد يعتبر العملية منتهية بمجرد إرسال الأموال، بينما تبدأ بالنسبة إلى المستفيد مرحلة أخرى تتعلق بكيفية تسلمها وتحويلها إلى نقد أو استخدامها في الدفع”، ومضى المختص في التحويلات والقطاع المالي في القول “كذلك تختلف كلفة التحويل ومدة وصوله بحسب الوسيلة المستخدمة، ومكان المرسل والمستفيد، والجهة التي تتولى العملية، وفي بعض الحالات قد يضطر المستفيد إلى التعامل مع أكثر من وسيط قبل أن يحصل على أمواله، مما يزيد أهمية عامل الثقة، لأن جزءاً من العملية يصبح قائماً على معرفة الأشخاص أو سمعتهم وقدرتهم على إيصال الأموال”، وختم حديثه “لذلك، قياس مشكلة التحويلات ينبغي ألا يقتصر على حجم الأموال التي يتم إرسالها إلى السودان، وإنما يجب النظر أيضاً إلى الرحلة التي تقطعها الحوالة، كم تستغرق؟ وكم تكلف؟ وأين يمكن أن تتعطل؟ ومتى تصبح الأموال متاحة فعلياً للمستفيد؟”.
بدائل نقدية
في الأزمات يصبح النقد أكثر من مجرد وسيلة دفع، إذ يصبح وسيلة تمنح صاحبه شعوراً بالسيطرة على أمواله، وهذا أحد الأسباب التي يمكن أن تدفع بعض السودانيين إلى تفضيل الاحتفاظ بجزء من أموالهم نقداً، حتى مع الأخطار المرتبطة بحمل الأموال أو تخزينها.
الأستاذ الجامعي سموأل عبدالرحيم أوضح أنه “بعد الحرب تغيرت طريقتي في تسلم الأموال وتحويلها، في السابق كنت أعتمد على المصرف بشكل أساس، وكان الوصول إلى المال أسهل، أما الآن فأصبحت أستخدم المحفظة الإلكترونية وطرقاً أخرى للتحويل بحسب المكان الذي أكون فيه والطريقة المتاحة أمامي”، وأضاف عبدالرحيم “أحياناً تصلني الأموال في المحفظة، لكن المشكلة تبدأ عندما أحتاج إلى نقد بشكل عاجل، فقد يكون الرصيد موجوداً، لكنني أحتاج إلى شخص أو جهة أستطيع من خلالها تحويله إلى نقد، وهذا ليس متاحاً دائماً بالسهولة نفسها، لذلك أصبحت أفكر قبل إرسال أو استقبال أي مبلغ، هل سأتمكن من استخدامه فعلياً عندما أحتاج إليه؟”، وتابع “أما بالنسبة إلى الرسوم، فهي أصبحت عاملاً مهماً في اختيار الطريقة، لكنها ليست العامل الوحيد، فأحياناً أقبل بدفع رسوم أعلى إذا كنت أعرف أن المال سيصل بسرعة وأنني أستطيع الحصول عليه بسهولة، خصوصاً إذا كان المبلغ مخصصاً لعلاج أو إيجار أو حاجة ضرورية”، وزاد “لا أفضل عادة ترك مبلغ كبير في المحفظة فترة طويلة، إذا كان المبلغ أكبر من احتياجاتي اليومية، أحاول أن أجد طريقة آمنة للاحتفاظ به أو تحويله، لأن الظروف الحالية جعلتنا نفكر كثيراً في المكان الذي نضع فيه أموالنا، وليس فقط في مقدار ما نملك”، وبيّن الاستاذ الجامعي أن “الحرب جعلتنا نعيد حساباتنا حتى في أبسط الأمور المالية، إذ كنت في السابق أبحث عن الطريقة الأسهل أو الأقل كلفة، أما الآن فأبحث أولاً عن الطريقة التي أضمن من خلالها أن أصل إلى مالي عندما أحتاج إليه”.
مدخرات مهددة
لم تتوقف آثار الحرب عند الوصول إلى المال، بل امتدت إلى قيمة المال نفسه، فالشخص الذي احتفظ بمبلغ من المال، أعواماً، قد يجد أن المبلغ الاسمي لم يتغير، لكن قدرته على شراء السلع والخدمات تراجعت. ومع ارتفاع كلف المعيشة وتغير سعر الصرف، تحولت المدخرات لدى بعض الأسر من أموال مخصصة للمستقبل إلى مصدر تمويل للبقاء في الحاضر.
المحلل الاقتصادي السر سليمان قال “الحرب أثرت في المدخرات السودانية من جانبين هما: صعوبة الوصول إلى الأموال من جهة، وتراجع قيمتها من جهة أخرى، فالتضخم يجعل المبلغ نفسه يفقد جزءاً من قدرته على شراء السلع والخدمات، حتى إذا ظل الرصيد المصرفي ثابتاً من الناحية الرقمية”، وتابع سليمان “تغير سعر الصرف يرفع كلفة كثير من السلع والخدمات، مما يدفع بعض الأسر إلى استهلاك مدخراتها بصورة أسرع لتغطية احتياجات المعيشة، بينما يلجأ آخرون إلى الاحتفاظ بجزء من أموالهم في صورة نقد أجنبي أو ذهب أو أصول أخرى، بحثاً عن وسيلة يرون أنها أكثر قدرة على الاحتفاظ بالقيمة، وهناك فرق مهم بين امتلاك المدخرات والقدرة الشرائية لها، فالشخص قد يملك المبلغ نفسه الذي ادخره سابقاً، لكنه لا يستطيع شراء الأشياء نفسها بهذا المبلغ”، وواصل “كذلك يمكن أن تؤثر تجربة صعوبة الوصول إلى الأموال في سلوك الادخار، فإذا واجه المواطن مشكلة في السحب أو التحويل، فقد يصبح أكثر ميلاً إلى الاحتفاظ بجزء من أمواله خارج الحساب المصرفي أو استخدام وسائل بديلة”، ورأى المحلل الاقتصادي أن “استعادة الثقة بالنظام المصرفي بعد الحرب لن تعتمد فقط على عودة الفروع إلى العمل، وإنما أيضاً على قدرة المواطن على الوصول إلى أمواله بسهولة، والحفاظ على قيمتها، واستخدامها عندما يحتاج إليها”.







