:: كعادتها لا تتحرك البرك الساكنة ما لم يُرمَ فيها حجر؛ فقد أصدر رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قراراً بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول حادثة المعدنين السودانيين بالمنطقة الحدودية مع مصر، لكشف ملابسات هذا الحادث الدامي، فلهم الرحمة ولآلهم الصبر ..!!
:: ومع ترحيبنا باللجنة، نؤكد أنها مجرد تخدير، فالواقعة هي الثانية، ولو تعاملت الحكومة مع الأولى بمسؤولية، لجنّبت المعدنين هذه المخاطر.. وتكرار المشهد يضع أصابع الاتهام فوق جرح التقصير الرسمي، ويكشف عجز الحكومة عن تنظيم التعدين الأهلي بالشكل الذي يمنع المخاطر..!!
الطاهر ساتي يكتب: بادروا..تنجحوا ..!!
الطاهر ساتي يكتب: بذور الدم ..!!
الطاهر ساتي يكتب: لا تتوجسوا ..!!
:: فالضحايا فقراء طحنتهم ظروف الحرب وضيق سبل العيش، مما دفعهم لركوب المخاطر بحثاً عن (الحياة) في الصحاري القاسية، وهم لا يملكون الوعي الكافي بحدود الدول وما يحكم عبورها والاقتراب منها، فكانوا ضحية الجهل والفقر والبحث عن لقمة عيش تسد رمق أسرهم المكلومة..!!
:: صحيحٌ أن تجاوز الحدود الدولية أو حتى الاقتراب منها مرفوض، ومن حق أي دولة حماية حدودها وفق القوانين والأعراف الدولية.. ولكن – وهنا مربط الفرس – يجب أن يتم ذلك دون إفراط في استخدام القوة، وتجنب الوسائل العنيفة، حفاظاً على أرواح البشر وعلاقات حسن الجوار..!!
:: ومن المحزن أن يأتي هذا الحادث في وقت يقف فيه البلدان في خندق الدفاع عن مصيرهما المشترك، وفي ظل تعاون استراتيجي لدرء مخاطر وجودية تهددهما (معاً).. والمأمول من الخرطوم والقاهرة تفعيل بروتوكولات التنسيق الميداني، لحماية الحدود دون الحاجة لإراقة قطرة دم واحدة..!!
:: وبدلاً من أن نكتفي بـتشكيل لجان التخدير، فإن الحكمة تقتضي أن نجعل من الحادثة “نقطة تحول” ومناسبة لـ”توبة إدارية”، وتسارع أجهزة الدولة المسؤولة والمختصة في تنزيل خططها لإنهاء عشوائية التعدين، وتحويله إلى نشاط منظم وآمن يحفظ الأرواح قبل الأرباح..!!
:: ما الذي يمنع الشركة السودانية للمعادن، وهي السلطة المسؤولة عن التنظيم، من حصر المعدّنين في كيانات اعتبارية؛ لتسهيل إدارتهم و رقابتهم، وانتشالهم من قاع العشوائية إلى بر التنظيم؟..وما الذي يمنع أجهزة الدولة الشرطية والأمنية من رقابة تجعل من المنجم مكاناً للرزق لا مقبرة للفقراء..؟؟
:: ولأن الثغرات دائماً ما تأتي من الأطراف، فإن هذا يتطلب تشديد الرقابة على المناطق الحدودية.. ويجب أن تتحول هذه الأزمة من “فاجعة حدودية” إلى “وثيقة عبور” نحو دولة القانون، وتتحول الصحراء من ساحة موت إلى شريان حياة للمُعدّن والبلد..!!
:: أما الذين يحاولون توظيف دماء البسطاء لإثارة الفتنة وتصفية حساباتهم السياسية والذاتية، فإن نواياهم لا تنطلي على أحد.. ومن مفارقات الزمان أن نرى أنصار “الجنجويد” يتباكون اليوم على ضحايا الحدود ويستنكرون إزهاق الأرواح.. فالانتهازية لا تملك أي رصيد من المصداقية..!!
:: دموع التماسيح المصطنعة التي يذرفونها لن تمنحهم أبداً حق المتاجرة بأوجاع المعدنين وسرقة قضاياهم العادلة.. فالذي استباح بيوت الأبرياء ودمر بلدهم ونهب أموالهم، لا يمكنه أن يرتدي مسوح الواعظين ويتباكى عليهم..!!

