مصطفى سليمان يكتب: «لا تختزلوا المؤسسة في شخصي.. واصبروا» .. وقفات مع كلمة المدير العام

«لا تختزلوا المؤسسة في شخصي.. واصبروا» .. وقفات مع كلمة المدير العام

مصطفى سليمان

خاطب السيد مدير عام شركة مطارات السودان المحدودة جموع العاملين الذين نظموا وقفة احتجاجية ومطلبية بتاريخ 27 أغسطس الجاري. وللأمانة فإن نزول السيد المدير العام لمخاطبة العاملين في موقع احتجاجهم يمثل خطوة إيجابية تحسب له. فمن المهم أن يستمع المسؤول إلى أصوات العاملين مباشرة وأن يواجه مطالبهم بالحوار بدلاً من أن تبقى المسافات قائمة بين القيادة والقاعدة.

مصطفى سليمان يكتب: قبل أن نحاكم صراع اليوم : ماذا فعلت لجنة إزالة التمكين بالطيران المدني ؟

ومن خلال حديثه للعاملين يمكن الوقوف عند مطلبين أساسيين في مضمونهما.
الأول : ألا تُختزل المؤسسة في شخص المدير العام.
والثاني : أن يتحلى العاملون بالصبر.

وأبدأ بالمطلب الأول : عدم شخصنة المؤسسة.
أتفق تماماً مع المبدأ. فالمؤسسة أكبر من الأشخاص وأبقى من المناصب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من الذي جعل العاملين يختزلون المؤسسة في شخص المدير العام؟

بكل صراحة أقول إن جزءاً كبيراً من هذه الصورة نتج عن النهج الإداري نفسه الذي ظللت أنتقده في مقالات سابقة وهو ما يمكن تسميته بسياسة «الرجل الواحد».

فقد أصبح الانطباع السائد لدى كثير من العاملين أن المدير العام لا يكتفي بدوره الإداري والتنفيذي الأعلى بل يتدخل في تفاصيل تخصصية يفترض أن يتركها لأصحاب الاختصاص. فتجد المدير العام في صورة المدير والمهندس والمقاول والكهربائي والسباك والمحاسب وغير ذلك من التخصصات.

وحين تصبح التعليمات مركزية إلى هذا الحد: «افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا» وتُهمّش مساحات المبادرة المهنية لأصحاب الاختصاص فمن الطبيعي أن يبدأ العاملون في ربط المؤسسة بشخص المسؤول الأول عنها.

إن الإدارة الحديثة لا تقوم على احتكار القرار وإنما على توزيع الصلاحيات وتمكين الكفاءات والمساءلة وفق الاختصاص. فالمدير الناجح ليس بالضرورة من يعرف تفاصيل كل شيء وإنما من يعرف كيف يوظف أصحاب المعرفة والخبرة ويمنحهم المساحة اللازمة للعمل ثم يحاسبهم على النتائج.

ولذلك فإن معالجة شخصنة المؤسسة لا تبدأ من مطالبة العاملين بعدم اختزالها في شخص المدير العام فقط وإنما تبدأ أيضاً من تغيير النهج الذي يجعل القرار والاختصاص والمرجعية تتمحور حول شخص واحد.

أما الوقفة الثانية فهي مطلب «الصبر» :
هنا أيضاً لا أعتقد أن العاملين بحاجة إلى من يوصيهم بالصبر. فقد صبروا بما يكفي وربما أكثر مما ينبغي.

صبروا على تأخر مستحقاتهم. وصبروا على الظروف الاقتصادية القاسية. وصبروا على تراجع قيمة أجورهم أمام التضخم. وصبروا على المرض وتكاليف العلاج. وصبروا على أعباء التعليم ورسوم الدراسة. وصبروا على ظروف الحرب والنزوح والعمل في ظروف استثنائية. وصبروا على ملفات ما زالت تنتظر المعالجة.

ولو كانت هناك جائزة عالمية للصبر في بيئة العمل لكان العاملون بشركة مطارات السودان المحدودة أحق الناس بالفوز بها .

لكن المشكلة أن الصبر نفسه له حدود عندما يتعلق الأمر بالاحتياجات الأساسية للإنسان.

فهل التضخم يصبر؟

هل الجوع يصبر؟

هل المرض ينتظر؟

هل رسوم الدراسة تؤجل مطالبها؟

وهنا يأتي سؤال أرجو أن يتسع له صدر السيد المدير العام باعتباره سؤالاً مشروعاً في سياق الحوار وليس هجوماً على شخصه:

إذا كان المطلوب من العاملين أن يصبروا على أوضاعهم المالية فلماذا لم يصبر السيد المدير العام على مخصصاته القديمة عندما رأى أنها لا تتناسب مع وضعه الوظيفي أو مسؤولياته وسعى إلى تحسينها حتى وصلت إلى ما يُقال إنه يعادل خمسة أضعافها؟

إذا كان تحسين الدخل حقاً مشروعاً للمسؤول فلماذا يصبح الصبر هو الخيار المطلوب من العامل فقط؟

المشكلة إذن ليست في أن نطلب من العاملين الصبر وإنما في أن تكون هناك معايير واحدة للعدالة.

العامل لا يطلب امتيازاً خاصاً. ولا يطلب أن يعيش فوق طاقة المؤسسة. هو يطالب بحياة كريمة تتناسب مع حجم ما يقدمه من جهد وما يتحمله من أعباء.

وأخيراً أؤكد أن هذا المقال لا يستهدف شخص السيد المدير العام ولا ينتقص من موقعه أو دوره. بل هو وقفة توضيحية مع ما ورد في خطابه ورسالة صريحة أرجو أن تُقرأ في إطار النقد البنّاء وليس استهدافا شخصيا .

فنحن لا نريد مؤسسة تُختزل في مدير عام. ولا نريد عاملاً يُطلب منه الصبر إلى ما لا نهاية.

نريد مؤسسة قوية بمؤسساتها لا بأشخاصها. وقراراً جماعياً لا فردياً. وكفاءات تُمنح الثقة والصلاحيات. وعدالة لا تميز بين موقع وظيفي وآخر.

فالمدير العام سيغادر منصبه يوماً ما ، أما شركة مطارات السودان المحدودة فستبقى .. وهذا هو جوهر القضية …




رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.